بائعة الحليب

رأيت في منامي بائعة الحليب ... بيضاء كالثلج تكسوها ملابس الخريف ... على ثوبها خطوط الصيف وألوان الربيع ... تمشي على الجليد بخف صغير ... تطرق أبواب المنازل والرقيق ... في حيرة هي لا تعرف السبيل ... تنادي بدندنةٍ وقلبها بالحزن يفيض ... اقتربت منها لأشتري بعض الحليب ... فإذا هي أنا أجول بالحليب ... فصحوت من نومي مختنقة استغيث ... كسمكة البحار الملقاة في ماء السلسبيل ... لوهلة خفت .. وبعدها ضحكت كالساخرين ... فأنا إبنة سلطان المماليك ... وجدران غرفتي تزيّنها أحجار العقيق ... ومن حولي وصيفات بعدد أزهار الربيع ... وفي قلبي فرح يتعدى حدود المستحيل ... فكيف لي ان اكون كبائعة الحليب ... فتجاهلت ذاك الكابوس وعشت في نعيم ... فخامة الواقع ورفاهة الفن البديع ... وبعد سنين طويلة من المرح الكثير ... تألم قلبي من فراق أحبتي الأقربين ... ولوّن الحزن تفاصيل أعماقي بالأنين ... وبدأت من قتها أسهر الليل الطويل ... حيرة الحال وكثرة التفكير ... النار تدفؤ غرفتي وانا بالبرد أصيح ... أرطم رأسي على الجدار كطارق الباب الضعيف ... ولمّا نظرت في المرآة .. وجدتني ذابلة كالمريض ... رأيت في ملامحي بائعة الحليب ... واسترجعت تفاصيل ذلك الحلم الغريب ... وبكيت بعدها بكاءً يعادل سخريتي بالفقير ... وعرفت حينها ان حياتي اصبحت كبائعة الحليب ... كلانا عاش في همٍ عظيم ... هي قاست وسط أهوالٍ وتعذيب ... وبعدها ماتت في لحد صغير ... أمّا أنا .. فعشت في بذخ وطيب ... وبكيت مراراً بين اشجار الياسمين ... وحين مِتّ في يوم مطير ... دفنت في قبر من عقيق ... قرب بائعة الحليب ...