متى تعود

متى تعود ..

لم ينتهي الصيف  
لم تمتلئ الحياة بالبرد 
لم تعزف الأسنان رجفات الشتاء 
لم تحظى النساء بالأحضان  
لم يطوِّق الشبان أحداً بالذراعان  
لم نشتري المظلات 
لم تُبللّ الضفائر والشوارب 
ولم تعُد أنتَ ..
لهذا لم يسقط المطر 

أعددت إبريقاً من الشاي 
في جوفهِ حباتٌ من الهيل وبعض الحبق 
جلست قرب نافذةٍ مغلقة منذ زمن 
كثبانٌ من الغبار ترسمها 
وبقايا مملكة كانت لعنكبوتٍ منتصر 
باردٌ هو الشاي بين شفاهي 
الوقت بطيئاً يمضي 
ولم تعُد أنتَ ..
لهذا لم يمتزج بالشاي السكر 

لست أدري كيف أبدؤها 
كيف أكتبها المشاعر 
ألملم الكلمات الهاربات من الدفاتر 
أُسقط طفيليات النقط 
قلمي الرصاص تبريهِ الذكريات 
الممحاة تشكو نحيب الهجر 
أوراقٌ تُمزّق وأوراقٌ تُحرق  
ولم تعُد أنتَ ..
لهذا لم تكتمل الجُمل 

انتهى موسمٌ وبدأ موسم آخر
طقوسٌ تقام وجنائز تُحضر 
توالت الأعياد 
ازدحمت الأجندة بالأحداث 
حضرت كل الزيارات
هربت من الأمسيات والسهرات
المساءات تتبعها المُبكيات 
ولم تعُد أنتَ ..
لهذا لم أرتدي ثوب المسرّات 

أُحدِّث عنك الوسادات
تسترق السمع أغصان الشوارع 
وجدران تلك الحارات 
كل شيءٍ يأتيني دون عناء 
تعود الحياة للبدر في الليلة الظلماء 
يصحو لهيب النار النائم في بطن الرماد
تعود الشمس خِفيةً قبل الأوان 
ولم تعُد أنتَ ..
لهذا لم تكتمل اللوحات

ألا يا غائباً لم يغادرني 
رفقاً بغيمات المُقل 
رفقاً بذاك المعذب بين أضلعي 
رفقاً بأبيات الشعر  
لُقياك حلماً يراودني 
رغم ويلات الهجر 
عاد الغائبين من حولي 
ولم تعُد أنتَ ..
فـ متى تُراك تذكرني وينساني الحزن 

قد حان وقت الرحيل


قد حان وقت الرحيل ..

قد حان وقت الرحيل ..
لا تغادرني ..
لا تسافر للفراق ..
فأصوات الرعود مخيفةٌ ..
والليل تنقصهُ المُضيئات ..
نزل الغمام على فؤادي مثلما الأمطار ..
وتطاولت شمس الغروب على شروق وجنات النهار ..
حتى زهور الأقحوان ..
هجرت فناء مدينةٍ كان يأويها الجمال ..
وتحدثت كل الجرائد عن الفراق ..
لا شاعرٌ يتعفف ..
ولا بالخير تذكرنا الأقلام ..
من أين جئت بفكرة الفراق ..
أَ صدفةٌ هي أم أنها النزوات ..
أم أنها عاداتُ أصحاب المقامات ..
أم أن تاريخ الحياة مُقيدٌ بالوداعات ..
أم أنهُ قدري لأعيش في رِثاء ..

قد حان وقت الرحيل ..
أعطني عوداً أدندن عليه دبكات الفراق ..
فأنغام الطيور لا تستهويني ..
ويزعجني تصفيق أوراق الشجيرات ..
لا تسكب القهوة في فنجاني ..
لا أريدها أن تذكرني برائحة الفراق ..
لا تقترب مني ..
لا تقبل جبيني ..
فبعض القبلات عارٌ والعار أشد من الفراق ..
قد كان لي فرحٌ وكان لي عنوان ..
وكان لي ربيعٌ يسكنني منذ أعوام ..
وكان لي إسمٌ رباعي الحروف ..
وكان لي ما لم يكن لي ..
الآن أدركت المحال ..

قد حان وقت الرحيل ..
جوارحي لا تدري ما هو الرحيل ..
وقلم الكحل ينتظر مني رسم ذات النواعيس ..
ماذا أرتدي ..!
ربيع فساتيني لا يليق بالمفارقين ..
الحرير موجعٌ والمجوهرات قيود ..
أحلالٌ هي العطور أم أنها زقوم ..
ماذا فعلت بي ..
الحزن بيتي والمُبكيات هواء ..
وبلابل العشاق ماتت قبل تاريخ النهار ..
ما كان ينقصنا الرحيل ..
ما كان للغرباء أن يجدوا عناوين الهجاء ..
ما كانت الأسرار تؤذينا ..
ما كان للعمر ذنبٌ في قرارات العناء ..

قد حان وقت الرحيل ..
أضعت مُرشدتي وبوصَلتي عيناك ..
وتكسرت فوق السلالم مجاديف النجاة ..
وبكيت حزناً أبدياً خالداً من الأعماق ..
وصرخت من خوفي وا حبيباه ..
أُناجيني وأناجيك وأرتجي اللقاء ..
أمي أنت وأبي وما للوالدين من بدلاء ..
الذكريات تهاجمني وأنت على باب الفراق ..
والموت يحدق بي وأنا أُناديه كالبلهاء ..
لا أحد يعينني ولا أنا للعون أشتاق ..
إن الفراق مقدرٌ والصبر عنوان الشقاء ..
وعزاء نبضاتي بأني لم أشاركك الجفاء ..
كل المرافئ قد أضلّت مركبي ..
كل المنارات أضاعتني ..
كل النجوم الدليلات أهملتني ..
كلها غدرت بي حين نَطقت بأنه ..
قد حان وقت الرحيل ..

بيروت


أحن إلى بيروت ..
إلى جداول الماء بين طيات الخدوش ..
إلى شجيرات الجبال ..
إلى النسائم والرعود ..
إلى ثقوب جدران الكهوف ..
أحن للوديان والأطلال والزهور ..
إلى ريف البقاع وعشتار والناعور ..
إلى صيدا وشيرا ودير انطار ..
إلى عانوت وعبرين وزكرون ..
إليك أحن يا بيروت ..

تروق لي حياة الخريف ..
في قريةٍ جبليةٍ غرب الشروق ..
بين حدائق الزيتون ..
وأزهار العيون ..
حيث الخرير يلحن الدبكات أصوات الطيور ..
في منزلٍ عتيق ..
تفوح من أركانه رائحة الربيع ..
وحطب الشتاء ..
وبارود تلك الحروب ..
حين بكت بيروت ..

أتوق لقهوة المزاح ..
مع الرفاق ..
كما كنت كل صباح ..
حيث تزدحم الفناجين والمزهريات ..
وأفواهٌ تدندن مع فيروز ..
تنادي طائر الوروار ..
وصخرة البحار ..
دندناتٌ تتبعها دندنات ..
ورؤوسٌ تتأرجح فالهواء ..
تتمايل كما الغُصينات ..
في شُرفة الصباح ..
ذات الهداهد والحمام ..
وعصافيرٌ تغرد للسماء ..
لكِ تغني يا بيروت ..

إشتقت لأشجار الخريف ..
عارية الأوراق تسترها مظلات الطريق ..
لحمرة الشمس قبل الغروب ..
كأنها خدود العروس ..
للعنب والتين والتوت ..
ومياه نهر صنِّين ..
للإستلقاء على العشب الرقيق ..
ذو الزهور والحلزون ..
وبلورات الندى المتناثرة هناك ..
تلألؤها خيوط الشمس ..
وتكنسها الرياح كل مساء ..
إشتقت للحبق والإكليل ..
وشاي الياسمين ..
وحفلة التبصير ..
وضحكات النساء في تشرين ..
وهمسات المغاوير ..
إشتقت إليك يا بيروت ..

لا تبكي يا بيروت ..
لا تبكي يا أرض الحضارات ..
لا تذرفي الدمعات ..
ستكونين دوماً كما كنت ..
عروس البلاد ..
وإشبيلة الجمال ..
ستلتئم الجراح ذات النهار ..
ستعود الزغاريد والرقصات ..
سنعود ..
بلهفةٍ وشوق سنعود ..
لنشم رائحة البلاد ..
وعرق الزهور ..
وشذى الصنوبر في الشتاء ..
ثقي بأننا سنعود ..
لحضن أرضك يا بيروت ..

الصبح يسألني عنك ..
والليل يغويني لغزوِك ..
العشق بات في رواياتي قليلٌ ..
الهيام يا منبع الهيام عليلٌ ..
والأحرف المجنونة ..
والعِبارات الجريئة ..
والقُبل الحميمة ..
كلها باتت غريقة ..
في قعر الوجود ..
تنتظر الوقود ..
من فيض نفط القلوب ..
والعزف الخجول ..
ذاك الذي يروي العروق ..
يشفي مغازِلها الحروف ..
من حمم الجمود ..
قررت أن أعود ..
نعم سأعود ..
لأرمم الحنايا والكسور ..
لأنفض الغبار عن قلبٍ ينوح ..
لتعود بسماتي وضحكات العيون ..
لألملم النجمات من حوض الحياة ..
لأرتدي ملابس الخريف ..
لأغني للحياة من جديد ..
وأشم رائحة الياسمين ..
من بعيد ..
وأنا أحتسي قهوة الصباح ..
من شُرفةٍ فوق الجبال ..
نسماتها هوجاء ..
تحرسها شجرة البلوط ..
تلك التي عانقتها ذات مساء ..
حين ودّعت حبيبتي بيروت ..

أعِرني بضعة دقائق




أعِرني بضعة دقائق ..
أدنو بها نحوك ..
أعِرني بضعة دقائق ..
أعانق بها كفوفك ..
أعِرني بضعة دقائق ..
لأحادثك ..
وأطمئن على حالك ..

أعِرني بضعة دقائق ..
لأروي ضمأ شوقي ..
لأخبرك عن أشيائي ..
عن كتب الصغار بين رفوفي ..
عن قصاصات الجرائد ..
عن أقلام الكحل ..
عن حروفك المخبئة بين طيات دفاتري ..
عن الحاضر والماضي ..
وأحلامي ..

أعِرني بضعة دقائق ..
من الصباح حتى المساء القادم ..
من الآن حتى عامنا الحاضر ..
من الشروق حتى غروب الكواكب ..
من وقتك أريد الدقائق ..
فقط بضعة دقائق ..

أعِرني بضعة دقائق ..
لأحدثك عن نفسي ..
عن حياتي ..
عن السنين وذكريات الشتاء ..
عن موسم الصيف في بلد الثلوج ..
عن الغزلان في واحات صحرائي ..
عن البساتين ..
عن كل المساءات ..

أعِرني بضعة دقائق ..
لأرسم وجهك القمري ..
لأسرد قصة التوليب ..
لأفشي كل أسراري ..
لأبكي وأضحك ..
لأبتسم لك ..
لأعاتبك وتعاتب عتابي ..
وترضى عن حماقاتي ..

أعِرني بضعة دقائق ..
لأتأمل حركة شفتيك ..
لأحصي رموش عينيك ..
وأختبئ بين تجاعيد جفونك..
لألملم الكلمات من قوس حاجبيك ..
لُأقبل بالخفاء وجنتيك ..

أعِرني بضعة دقائق ..
أحتاج أن أصغي إليك ..
لنصائحك ..
لتخطط حياتي ..
وترسم مستقبلي ..
وتنير منبر عالمي ..

أعِرني بضعة دقائق ..
أشكو إليك أحزاني ..
أخبرك عن مغامراتي ..
عن قصص الوفاء في رواياتي ..
عن خيانات أصحابي ..
عن مدرستي ..
عن طائرة أحلامي ..
عن جزيرة العشاق في أشعاري ..
عن بيتي وخادمتي ..
عن ربطة حذائي ..
وعطر الورد في كفي ..

أعِرني بضعة دقائق ..
أشرب قهوتي معك ..
أشعل كبريت سيجارتك ..
أستمع لفيروز معك ..
أسمع حديث مكالماتك ..
أقرأ عناوين الصحف معك ..
أحل لغز الكلمات المتقاطعة بقلمك ..
أعبث بروايات مكتبتك ..
وأفتش عن إهداءاتك ..

أعِرني بضعة دقائق ..
لأبوح عن حبّك ..
عن الهوى وأسرار النجوم ..
عن قصتي معك ..
كيف بدأت ..
متى أحسست بك ..
أين لمحت طيفك ..
لماذا صارعت نفسي ..
كيف تهت في الدنيا بدونك ..
متى إستسلمت لفؤادي ..
وأعلنت عن غرقي في محيط غرامك ..

أعِرني بضعة دقائق ..
لأجلس ها هنا معك ..
وأقرأ خطوط كفك ..
وأستعرض مهاراتي معك ..
لأفتح ألبوم صوري ..
وأشاركك لحظات عمري ..
لتلمح صورتك المخبئة بين ملفاتي ..
مختومةً بألوان قبلاتي ..
ونار أشواقي ..

أعِرني بضعة دقائق ..
لأهيم في غرامك ..
وأتغزل بقوامك ..
لترى الجنون فيني ..
وتسمع هذيان حنيني ..
وتراقب نبضات قلبي ..
حين تقارن بيني وبين باقي النساء ..
لتصطدم بغضبي ..
وغيرتي ..
وتضحك من غباء أفكاري ..

أعِرني بضعة دقائق ..
قليلٌ من الدقائق ..
ليس عندي الكثير من الوقائع ..
تكفيني بضعة دقائق ..
وإن طالت دقائقي ..
إياك أن تلومني ..
إن كنت تملكني وكل جوارحي ..
فكيف لساعاتي أن لا تصير دقائق ..
وأنا بقربك ..
عمري بأكمله بضعة دقائق ..

الساحرة





في صدفةٍ كأنها البارحة ..
قبل العقود الماضية ..
في نهارٍ شمسهُ متحجبة ..
صيفيٌ غائمٌ أمطارهُ متحايلة ..
إستوقفتني البائعة ..
تشير للمصباح بالسبابة ..
كأنها العرافة ..!
بل إنها العرافة ..
ذات العلوم الساحرة ..
كحيلةُ العينين ..
نظراتها كأنها شيطانة ..
كثيرة التأتأة ..
صوتها كأنه المزمار في ألحانه ..
ماذا تريد الساحرة ..
ذات العيون الناعسة ..


في الحارة الرملية المجاورة ..
سورٌ لتلك القلعة المنسية ..
ذات الثقوب الظاهرة ..
وحولها بساتين زهرٍ ذابلة ..
وعند تلك الزاوية ..
أحفورةٌ غجرية ..
رسومها كأنها هندية ..
حلقيةٌ وسطيةٌ جغرافية ..
حدود تلك الزاوية ..
نهايةٌ للحارة الرملية ..
وبدايةٌ لحارتي المرمرية ..
هناك حيث إستوقفتني الساحرة ..
لأشتري البضاعة ..
ماذا لديها يا ترى ..
ماذا تبيع الساحرة ..


للحظ أحجارٌ كثيرة ..
شعار تلك البائعة ..
بحرية جوفيةٌ نهرية ..
أحجار تلك الطاولة ..
ذات السيقان العالية ..
جميلةٌ ألوانها ولامعة ..
لكنها لم تغرني ..
جميعها متشابهة ..
مملة ..
متزاحمة ..
سألتها عن إسمها ..
فالناس تجهل إسمها ..
فتأتأت في لفظها ..
تشير بالسبابة ..
تمرجح السبابة ..
بيني وبين نحرها ..
أجبتها كإسمي ..
فتأتأت بل إنني أنتي ..
من القرون السابقة ..
ضحكت من كلماتها ..
محتالةٌ يا بائعة ..


غادرت أطراف المكان ..
لأحتسي خلاصة الكاكاو ..
في مطعمٍ يزوره الأمير ..
فوّاحةً زهوره تثير ..
برفقة الكتاب واليراع ..
والبحر من أمامي كالسماء ..
نقيةٌ مياهه مرآه ..
وقعره كأنه الضياء ..
سبحان من تجلّى ذو الجمال ..
وأحسن التصوير والإبداع ..


بين رشقةٍ ورشفات ..
زارني وحي الكلام ..
وبدأت تسطير الغرام ..
كعادتي ..
أغازل العشاق والمشتاق ..
لتستثير حروفي الخيال ..
وأستبيح الخوض في التقبيل ..
وأداعب الإحساس بالقلم الرصاص ..
في صفحةٍ غرامها ممنوع ..
ويلي من الرقابة ..
ويلٌ لمن قرأ الجريدة ..
والويل كل الويل من نقد النقابة ..

بعد أيامٍ قليلة ..
مررت قرب الطاولة ..
ماذا جرى للبائعة ..
أين الأحافير القديمة ..
ما حلّ بالمكان من أزاحة ..
رفعت رأسي يائسة ..
ماذا رأيت ..
قطعةٌ فريدةٌ من نوعها ..
سوداء لامعةً ..
كأنها عين جنيّة ..
متدلّية من سقف العلّية ..
وما هي العلّية ..
مظلةٌ خشبيةٌ متآكلة ..
شقوقها سلاسلٌ متقطعة .
معقودةٌ في حلَقة المصباح ..
ذاك الذي أشارت له السبابة ..
في نهارٍ كأنه البارحة ..
قررت أن أحرر المصباح ..
وأرتدي قلادة الحجارة ..
وفوق تلك الطاولة ..
حفرت إسمي باليراع ..
علّها تزورني البائعة ..
وعدت أدراجي لبيتي ..
فالنوم سلطانٌ ينادي ..


مصباح تلك البائعة ..
ينير دون مداد ..
ونوره كأنه دخان ..
الليل يرعبه المكان ..
حرارةٌ كأنها النيران ..
تبثها الحجارة السوداء ..
نظرت في سوادها ..
رأيتها مستلقية ..
تحدق بي البائعة ..
في نظرةٍ ليست غريبة ..
مخيفةٌ وغير مخيفة ..
منامٌ هذا أم أنها الحقيقة ..
مسجونةٌ انتِ أم أنني مجنونة ..
سألتها ..
تجاهلتني البائعة ..


ناديتها بإسمها ..
بإسمي ..
بإسمنا فـ ثارة الحجارة ..
رأيتني حبيسة الحجارة ..
والبائعة تعلق القلادة ..
في نحرها وتقول لي يا ساحرة ..
رأيتها كأنها أنا ..
رأيتني كأنني هي ..
كل ما فيني صار يشبهها ..
طلاء أضافرها ..
رقعة الحناء بين أصابعها ..
سيقانها الهزيلة ..
ضفائرها اللولبيةٌ الكستنائية ..
تتخللها خيوطٌ زاهية ..
كأنها مزهرية ..
شفتاها الحمر كالحمم المتوهجة ..
أنفها الأرنبي ..
ونحرها يا سادة ..
تخنقة اللآلئ المتزاحمة ..


جاء الصباح ..
قامت كأنها أنا ..
لملمت قصاصات الحياة ..
ألقت تحياتي للجيران والعامة ..
خلخالي يرنّ قرب قدمها ..
تفوح منها رائحة عطري ..
تسير فـ ثباتٍ واثقة ..
كأنها حوريةٌ مختالة ..
جلست بقرب الأمير ..
تحتسي الكاكاو ذو الطعم اللذيذ ..
تطالع البحر الجميل ..
وفي هدوءٍ غامض التخمين ..
خلعتني من رقبتها ..
ودعتني دون تقبيل ..
رمتني لقاع ذلك البحر المضيء ..
دون تبرير ..


عيناي تستنكران الفاجعة ..
الماء يغمرني ..
الموج من فوقي يعوم ..
سأموت ..
أنا لا أموت ..
بين أحضان الحجارة أنفاسي تدور ..
كأنني للبحر سأكون ..
أرفض السجون ..
لا أقبل الهزيمة والخضوع ..
أغمضت عيناي في غضبٍ شديد ..
صرخت من جوف الحجارة أستغيث ..
صرخةً أيقظتني من سباتٍ عميق ..
رأيتني أمام الطاولة ..
ومن أمامي البائعة ..
حلمٌ من يقظة الطريق ..
يشبه الهاوية ..
رفعت رأسي للسماء ..
رأيتها المعلقة ..
تلك الحجارة ..
تلك التي تشبه العين اللعينة ..
ومصباحها المعلق بالسلاسل ..
سألتها عن إسمها ..
أجابتني برقةٍ غجرية ..
إسمي كإسمك يا صبية ..
أدركت أن الوقت قد حان ..
لأعود أدراجي للوراء ..
وأقسم بالدين والأديان ..
لن أنشر الكلام ..
لن أرهق العشاق ..
لن أحتسي الكاكاو ..
لن أبوح بأسرار المنام ..

القصيدة



سـ أكتبها القصيدة ..
بعد أن كثر الملام ..
سـ أرويها التفاصيل الكثيرة ..
بإختصارٍ ودون اختصار ..
إعْتِرافي ليس جريمة ..
كلنا نعشق الممنوعات ..
قصيدتي ليست مثيرة ..
لا تشبهها ملحمة أمير الشعراء ..
سأبدأ سردها من النهاية ..
لن أفضح البدايات ..
كلها ثرثرات ..
وبعض الحكايات .. 

في غرفتي سجادةٌ عجمية أنيقة ..
ورثتها عن سيدة غنية ..
وتحفةٌ فينيقيةٌ ..
إبتعتها سراً قبل تحرير المدينة ..
ولوحةٌ خلابةٌ باريسية ..
عاريةٌ نسائها يشربن من كأس الطبيعة ..
وزجاجة عطرٍ خالية ..
يفوح منها الياسمين كل ليلة ..
نافذتي بلا ستارة ..
البدر يدخلها وشمس الظهيرة ..
سريري تنام عليه الجنّية ..
وأنام فوق وسادتي القطنية ..
بين أحضان الأريكة ..
فوق المنضدة ..
تزاحمت براويز العائلة ..
وتحت المنضدة ..
تستند شجيراتٌ لولبية ..
تخفي شقوق الجدار الأزلية ..

مُلهمتي طاولةٌ صغيرة ..
صنعتها من الخيزران ذات عشيّة ..
مع الكرسي الهزاز ..
وعلبة السكاكر ..
وعلبةٌ أخرى لأصحاب السجائر ..
هنا أكتب القصائد ..
أصحح المعاجم ..
ألغي قانون الضرائب ..
أستجوب الملوك وعبيد المراقص ..
أحقق الإنتصارات ..
هنا ..
أكتب ما أشاء ..
دون أن أخشى المشانق ..

أحضرت فنجاني القديم ..
البن مطحونٌ مع الهيل وقرنفل كشمير ..
والقليل من ماء صنّين ..
خلطةٌ سريةٌ تحفز الأحاسيس ..
طعمها اليوم غريب ..
مذاقها كأنه النبيذ ..
هو التحذير ..
قهوتي اليوم تشكو النحيب ..
خالية من السكر وضحكات البساتين ..
تفور في دمي كلما فار الإبريق ..
كأنها تستغرب التوقيت ..
قلمي سيكتب قصة الغريب ..
وقت الصباح ..
كيف أكتب في النهار ..
بلا تجريح ..
دون رجفات الظلام ..
سمعت استنكار نجمات المساء ..
لم أعُرها الإهتمام ..
اليوم أعلنت التأهب للرحيل ..
تحت ظل الياسمين ..
وحيدة متقمصةً ملامح الشجاعة ..
دون سيفٍ مسنون ..
ولا خيول ..

من أنا ..
ماذا عساني أكون ..
طبيبة العيون ..
جراحة العظام والقلوب ..
عرّافةً دجالةً ساحرةً قارئةً للكفوف ..
راقصةً تخدر العقول ..
ماذا أقول ..
كيف أعلنها للحضور ..
لست الأميرة النائمة بين الحقول ..
لست سندريلا الملوك ..
لست ليلى لست عبلة لست جولييت الغيور ..
لست أي شيء مما يظنون ..
أنا إنسانةٌ ريفية ..
غريبة الأطوار ..
من فصيلة النساء ..
أنثى تحركها الشجون ..
واليوم يأسرني الهوى ..
وهو ..
وزهرة التوليب .. 

قررت أن أدوّن تاريخ النهار ..
سأكتب ماذا حلّ بالقبطان ..
قاتل الرهبان ..
وثورات تلك البلاد ..
ماذا أقول ..
الباب لا تقرعه أخبار الغصون ..
أين الزهور ..
الصيف بخر عطرها وأهداني الجنون ..
كيف الهروب ..
البحر من خلفي وفرعون وأقداري غموض ..
ماذا جرى ..
ما عدت أعرف ما أقول ..
تطرحني الأسئلة ويغشاني الذهول ..
كيف أكتب المستور ..
الأحرف العربية الهوجاء مزقت السطور ..
فقدت ترتيب الحروف ..
أدري ولست أدري كيف أغوتني الغيوم ..
كل الحروب كتبتها بعد الغروب ..
أنا الفارس ..
أنا المحارب ..
أنا كل أبطال النجوم ..
اليوم تهزمني السنونوات ..
اليوم ترتعش القلوب ..
اليوم تحكمني المشاعر والظنون ..

قبل القصيدة ..
جف حبر أقلامي الجديدة ..
زالت سطور العرض من فوق الجريدة ..
صفحةٌ بيضاء تنقصها الكتابة ..
أين الكتابة ..
أين القصائد والمقالات الجميلة ..
أين ملحمتي الجديدة ..
رحلت معه ..
لتلك المدينة ..
وأنا أحاول لملمت القصيدة ..
لم تكتمل معيَ الحروف ..
لم تلتقي فيني الفصول ..
لم أرتقي بالشعر يا شعري ..
ويا كل الحروف ..
هو المُلام ..
يصدني لتهجرني الكلمات ..
لتنساني القوافي والسياق ..
ليمنع حروف الجر عن معانقة الكلام ..
غرّر بالتنوين ذات مساء ..
فتبعثرت مني العبارات ..
راوغ الكلمات ..
فضاعت مني الكلمات ..
وضاعت قصيدتي ..
ضاع الكلام ..

لا أدري لمن أبوح بالكلام ..
لمن أحاول ترتيب القوافي والفصول ..
لن أفضح المستور ..
لا الحديث ولا لكل القصائد والحروف ..
سأكتفي بإعلان الهروب ..
دون إكمال القصيدة ..
دون جروح ..
سأرحل بلا أمتعة ..
مع نهاية تموز ..
قبل أن تصيبني حمى الإشتياق ..
لماذا يا ترى اشتاق ..
لمن اشتاق ..
لا أدري ..
أَأشتاق لك ..
أم أشتاق لحديثي معك ..
أم أنني أشتاق لحماقاتي الكثيرة معك ..
لست وحدك من أرهقته حروفي ..
حتى أنا أرهقتني كلماتي معك ..
قبل شهر أيلول ..

سَكَراتُ الأحْلام

قَبْل الشُّروقِ وقَبْلَ نَاقوس المُنادِي ..
إسْتيْقَظتْ عيْنايَ مُشرقَةً فُؤادِي ..
وتَبسّمَتْ شَفتايَ دغْدغَها صَباحِي ..

تَسارعَتْ سُحُبُ الصَّباحِ تزورُني ..
وتَغامَزَتْ قَطَراتُ هَمساتُ النَّدى تَحْكينِي ..
كُلُّ الزُّهور تَعَطّرتْ شَغَفاً بِرائِحةِ اللّقاءِ ..

يَا مَنْ تُنادِينِي بتَغْريدِ البَلابِلِ رَاعِنِي ..
نَشَواتُ ذاتِيَ تَسْتحِي وتُوَاريَ ..
لَهفاتُ عيْنٍ تنْتظِر شوْقاً مُعانَقَة الأيَادِي ..

تَغَلغَلتْ كَفِّي بِحُضنِ الكَفِّ تُدفِئُني ..
وتَصاعَدَتْ أَنْفاسُ شَوقِي تُمطِرُ الدُنْيا بِعِطرِي ..
والعَينُ للعينِ مِرْسالٌ تُخاطِبُها الأَمانِي ..

أيّ رِمشٍ منْ أهْدابِ عيْنيْكَ قَيّدني ..
ذَاكَ الّذي يرِفُّ بِعَجلٍ كُلّما غَازلتَني ..
أمْ ذَاكَ الّذيِ مَع نسَماتِ الرِّيحِ يُخْجِلُني ..

وَأيَّ سَهْمٍ مِنْ سِهامِ مُقْلتيْكَ حَرّرنيِ ..
أَتُراهُ أوّلَ سَهْمٍ إخْترَق أعْيَاني ..
أمْ ذَلِكَ المَغروسُ في أعْماقِ وِجْداني ..

أَوَّاهُ يَا حُباً تَرعْرعَ فِي الصِّبَا اسْقينِي ..
أَوَّاهُ يَا شَوْقاً تَرَنّح فِي الفَلا ارْوينِي ..
أَوَّاهُ يَا نَبْضاً تَسارَعَ كَالظِّبىَ احْيينِي ..

تَغارُ نَجْمات السّماءِ مِن حُلوِ سَكَراتِنا ..
ويُلمْلمُ البَدْرُ المُنيرُ ضِياءَهُ خَجَلاً لِوَهجَةِ نُورِنا ..
ويَصيحُ دِيكُ الفَجْرِ يَا أحْلامُ غِيبي هذا صُبحُنا ..